أبي حيان الأندلسي
216
البحر المحيط في التفسير
ظاهرهما ، وصارا ذلك مجازين ، شبه بالخيط الأبيض ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق ، وبالأسود ما يمتد معه من غبش الليل ، شبها بخيطين أبيض وأسود ، وأخرجه من الاستعارة إلى التشبيه قوله : مِنَ الْفَجْرِ ، كقولك : رأيت أسدا من زيد ، فلو لم يذكر من زيد كان استعارة ، وكان التشبيه هنا أبلغ من الاستعارة ، لأن الاستعارة لا تكون إلّا حيث يدل عليها الحال ، أو الكلام ، وهنا لو لم يأت : من الفجر ، لم يعلم الاستعارة ، ولذلك فهم الصحابة الحقيقة من الخيطين قبل نزول : من الفجر ، حتى إن بعضهم ، وهو عدي بن حاتم ، غفل عن هذا التشبيه وعن بيان قوله : من الفجر ، فحمل الخيطين على الحقيقة . وحكي ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فضحك وقال : « إن كان وسادك لعريضا » وروي : « إنك لعريض القفاء » . إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل ، والقفا العريض يستدل به على قلة فطنة الرجل ، وقال : عريض القفا ميزانه عن شماله * قد انحصّ من حسب القراريط شاربه وكل ما دق واستطال وأشبه الخيط سمته العرب خيطا . وقال الزجاج : هما فجران : أحدهما يبدو سواد معترضا ، وهو الخيط الأسود ؛ والأخر يطلع ساطعا يملأ الأفق ، فعنده الخيطان : هما الفجران ، سميا بذلك لامتدادهما تشبيها بالخيطين . وقوله : من الفجر ، يدل على أنه أريد بالخيط الأبيض الصبح الصادق ، وهو البياض المستطير في الأفق ، لا الصبح الكاذب ، وهو البياض المستطيل ، لأن الفجر هو انفجار النور ، وهو بالثاني لا بالأوّل ، وشبه بالخيط وذلك بأول حاله ، لأنه يبدو دقيقا ثم يرتفع مستطيرا ، فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك . هذا مذهب الجمهور ، وبه أخذ الناس ومضت عليه الأعصار والأمصار ، وهو مقتضى حديث ابن مسعود ، وسمرة بن جندب . وقيل : يجب الإمساك بتبين الفجر في الطرق ، وعلى رؤوس الجبال ، وهذا مروي عن عثمان ، وحذيفة وابن عباس ، وطلق بن علي ، وعطاء ، والأعمش ، وغيرهم . و روي عن علي أنه صلى الصبح بالناس ثم قال : الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار ، والنهار عندهم من طلوع الشمس إلى غروبها ، وقد تقدم ذكر الخلاف في النهار ، وفي تعيينه إباحة المباشرة والأكل والشرب بتبين الفجر للصائم دلالة على أن من شك في التبين وفعل شيئا